فخر الدين الرازي
197
تفسير الرازي
المسألة الأولى : المراد من الميثاق المأخوذ من النبيين إرسالهم وأمرهم بالتبليغ . المسألة الثانية : خص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمة فذكرهما احتجاجاً على قومهما ، وإبراهيم كان العرب يقولون بفضله وكانوا يتبعونه في الشعائر بعضها ، ونوحاً لأنه كان أصلاً ثانياً للناس حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان ، وعلى هذا لو قال قائل فآدم كان أولى بالذكر من نوح فنقول خلق آدم كان للعمارة ونبوته كانت مثل الإرشاد للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب ، وأما نوح فكان مخلوقاً للنبوة وأرسل للإنذار ولهذا أهلك قومه وأغرقوا . المسألة الثالثة : في كثير من المواضع يقول الله : * ( عيسى ابن مريم ) * ( البقرة : 87 ) * ( المسيح ابن مريم ) * ( المائدة : 17 ) إشارة إلى أنه لا أب له إذ لو كان لوقع التعريف به ، وقوله : * ( وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ) * غلظ الميثاق هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال تعالى : * ( ولنسألن المرسلين ) * ( الأعراف : 6 ) وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولاً وأمره بشيء وقبله فهو ميثاق ، فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون ذلك تغليظاً للميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة ، وعلى هذا يمكن أن يقال بأن المراد من قوله تعالى : * ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ) * ( النساء : 21 ) هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " وكما أن الله تعالى جعل الرجال قوامين على النساء جعل الأنبياء قائمين بأمور أمتهم وإرشادهم إلى سبيل الرشاد . * ( لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً ) * . يعني أرسل الرسل وعاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب ، لأن الصادق محاسب والكافر معذب ، وهذا كما قال علي عليه السلام : " الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب " وهذا مما يوجب الخوف العام فيتأكد قوله : * ( يا أيها النبي اتق الله ) * . * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ